ابن قيم الجوزية
74
الروح
هذه الآية نظير قوله : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ « 1 » وقد يقال : نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدل على أن المراد عدم أهلية كل منهما للسماع ، وأن قلوب هؤلاء لما كانت ميتة صماء كان إسماعها ممتنعا بمنزلة خطاب الميت والأصم ، وهذا حق . ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلقها بالأبدان في وقت ما ، فهذا غير الإسماع المنفي واللّه أعلم . وحقيقة المعنى أنك لا تستطيع أن تسمع من لم يشأ اللّه أن يسمعه إن أنت إلا نذير أي إنما جعل اللّه لك الاستطاعة على الإنذار الذي كلفك إياه لا على إسماع من لم يشأ اللّه إسماعه . وأما قوله : إن الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو وحده به وليس بالقوي ، فهذا من مجازفته رحمه اللّه ، فالحديث صحيح لا شك فيه ، وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير زاذان ، منهم عدي بن ثابت ، ومحمد بن عقبة ، ومجاهد . ( قال ) الحافظ أبو عبد اللّه بن منده في كتاب ( الروح والنفس ) أخبرنا محمد بن يعقوب بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسحاق الصفار ، أنبأنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، حدثنا عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب ، قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، فجلسنا وجلس كأن على أكتافنا فلق الصخر ، وعلى رؤوسنا الطير فأرم قليلا ، والإرمام السكوت ، فلما رفع رأسه قال : « إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة ودبر من الدنيا وحضره ملك الموت نزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة فجلسوا مد البصر ، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه ثم قال : أخرجي أيتها النفس المطمئنة أخرجي إلى رحمة اللّه ورضوانه ، فتنسل نفسه كما تقطر القطرة من السقاء ، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل من بين السماء والأرض إلا الثقلين ، ثم يصعد به إلى السماء فتفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة إلى العرش مقربو كل سماء ، فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين
--> ( 1 ) سورة النمل ، الآية 80 .